الوحدة
تأمل شخصي في شعور إنساني عالمي
الوحدة… يا لها من مشاعر معزولة وجوفاء.
ليست فقط لأننا كائنات اجتماعية بطبيعتنا، أو لأن الحياة عبر التاريخ كانت تعني الموت إذا عشنا بلا قبيلة أو مجتمع. بل لأن غياب الدعم في عالم مليء بالتحديات يزيد من وطأة الألم الذي نشعر به.
هذا المقال يختلف عن مقالاتي السابقة؛ فهو ليس بحثًا مدعومًا بالدراسات النفسية أو الفلسفية، بل هو تأمل شخصي، محاولة لفهم علاقتي أنا بالوحدة.
متى بدأت هذه الوحدة؟
لا أستطيع أن أحدد متى أصبحت الوحدة رفيقة دربي.
هل بدأ الأمر عندما كنت أُختار آخر شخص في تدريبات كرة القدم؟ أم عندما كنت أتعرض للسخرية والتنمر في سنوات الدراسة؟ أم لأنني طوال 17 عامًا من التعليم لم تنجح سوى صداقتين حقيقيتين في البقاء معي؟
ربما أدركت وجودها بوضوح بعد التخرج وقضاء عام كامل بلا عمل، حين زالت جميع الانشغالات التي كانت تصرف ذهني عن التفكير. في ليالٍ طويلة قضيتها أحدّق في سقف غرفتي، كنت أتساءل: لماذا يبدو هذا الفراغ متأصلًا في داخلي؟
وضعت لنفسي نظريات عديدة:
ربما كنت أفتقر إلى المهارات الاجتماعية الأساسية.
أو أن اهتماماتي كانت مختلفة أكثر من اللازم.
وربما لم أبذل جهدًا كافيًا في التواصل مع الآخرين.
لكنها كانت مجرّد تخمينات. وفي غياب الإجابات، أصبحت الكتب أصدقائي المقرّبين، والكتابة متنفسًا لي.
كيف يراها الآخرون؟
عندما طلبت النصيحة من الآخرين، بدت الإجابات سطحية:
"ربما لأنك لا تخرج كثيرًا."
"جرّب الاشتراك في نادٍ رياضي، ستتعرف على أصدقاء هناك."
كانت تلك النصائح – رغم حسن النية – تزيد شعوري بالعجز. شعرت أن مشكلتي أعمق من أن تُحل بهذه البساطة، وكأن أحدًا لم يفهم ما يدور في داخلي حقًا.
ما أثر الوحدة عليّ؟
لا أستطيع الجزم أن كل هذه "الأعراض" سببها الوحدة، لكنها ارتبطت بها بشكل ما:
فراغ داخلي : المواعيد الفردية مع نفسي لم تكن كافية لملء الفراغ الذي يتركه غياب العلاقات ذات المعنى.
تدني تقدير الذات : كل عطلة نهاية أسبوع أقضيها بمفردي كانت تقلل من شعوري بالقيمة.
الانتقائية المفرطة : المفارقة أن قضاء وقت أطول بمفردي جعلني أكثر انتقائية في اختيار صداقاتي، وكأن لديّ قائمة معقّدة من الشروط لا ينجح معظم الناس في اجتيازها.
ومع ذلك، لم يكن كل شيء في الوحدة سلبيًا.
الهدية الخفية للوحدة
أجبرتني الوحدة على التأمل. أن أسأل نفسي: من أنا؟ ومن أريد أن أكون؟ وما القيم التي أتمسك بها؟
كتب الفلاسفة الوجوديون – مثل سارتر وكامو – كثيرًا عن الوحدة التي نشعر بها حين نواجه الحياة بلا أوهام، عندما ندرك أن المعنى لا يُمنح لنا بل نصنعه نحن.
وجدت في هذه الفكرة صدًى داخليًا. فرغم ألم العزلة، منحتني مساحة لمراجعة ذاتي بصدق، وهي فرصة ربما لم أكن لأحصل عليها في حياة صاخبة مزدحمة.
لكن، كيف نصنع الروابط الإنسانية؟
لا أملك إجابة واضحة.
هناك من يبدو وكأنه يصنع الصداقات بسهولة فائقة، وكأنها أمر طبيعي لا يحتاج إلى مجهود. ربما السبب هو الاهتمامات المشتركة، أو القيم المتشابهة، أو مجرد الحظ في التواجد في المكان المناسب في الوقت المناسب.
وفي أوقات كثيرة، تساءلت: هل عليّ أن أخفي حقيقتي أو أتنازل عن ذاتي لأجد مكانًا بين الآخرين؟ لكنني أعلم في أعماقي أن هذه ليست الصداقة التي أبحث عنها.
ربما تكون الصداقات – في النهاية – مزيجًا من السعي الواعي والحظ الذي لا يمكننا التحكم فيه بالكامل.
خاتمة
لم يقربني هذا المقال من الحل. بل جعلني أكثر وعيًا بمدى عمق وحدتي.
لكنني أختار أن أؤمن بالغد. غدٍ يحمل صداقات حقيقية، ومعانٍ أعمق، وحياة أقل خواءً.
ربما هذا ما أراده أرسطو والفلاسفة الوجوديون بطريقتين مختلفتين: أن الإنسان يحتاج إلى الآخرين ليزدهر، لكنه في الوقت نفسه لا بد أن يواجه ذاته في عزلة، ليصنع هو بنفسه معنى لحياته.


