لم يكن الرجل الغريب غريبا في بلاد الغربة، بل في وطنه، في مدينته وبين أهله.
لا نستطيع ان نجزم ان الرجل، ولد غريبا، بهالة او خلقة غير طبيعية، او خلق مضى عنه الزمن، ام بعد، أم افكارا مستحدثة أكانت شرقية ام غربية. لماذا كان رجل لا يناسب مجتمعه القريب ام البعيد، لماذا كان دوم الانعزال والانطواء، بل الكلمة الأنسب لماذا عزل؟
ما ميز الرجل الا انه على عكسه من الرجال، أبدى اهتماما فيما خفي من عمق افكار ومشاعر وأحاسيس، وليس ما ظهر من مظاهر وأشكال وألوان، اي اهتم بما هو أعظم، وما ابعد ذلك عن سجية الانسان.
كلنا يخفي ما نراه او يرى اخرون ما يجب ان يبقى في الخفاء، ما يفضل ان نلزمه لأنفسنا، الى ان، الى انا ماذا؟
هل ستختفي كل الافكار المظلمة والرغبات المكبوتة والمخاوف الكبيرة، ام ان لعلها تأخذ شكلا اخر ووجه مختلف، وعطشا اخر، ما تلك كلها الا وحوش فتاكة تعيش خلف الستار.
لمواجهة ذلك كله يرى الرجل الغريب، ان ينغمس المرء فيما اخفاه، يبحر في اعماقه، بل أن يغرق.....
اكتشف كما يزعم الرجل، عالما، بل عوالم دفينة مخيفة، افزعته اغلبها، ولكن، ولكن كلما أبحر، كلما اكتشف الدوافع وراء ذلك كله، ولعلها لم تكن مخيفة أكثر مما كان اساء فهمها.
يدعونا الرجل الغريب، ان ننسجم بما هو في الخفاء، ما بين الستار وما تحت الحجار، فقظ هناك سنجد حتما الملاذ بين المؤلم في الخارج والمؤذي في الداخل. أن نحلل تلك الذكريات والصدمات المخزية، ان نتحقق من أثرها علينا اليوم، ان لا نطمسها، بل نتقبلها كم خلقت، وندفعها الى النور.
الرجل دعانا لملاحظة الظل المحيط بنا، الذي يتشكل ويخلق بكل ما دفناه من مشاعر وأحاسيس مخزية، دفنها تحت التراب. الظل هو الصوت الداخلي الذي يطلق احكاما على هذا وذاك، وفي نفس الوقت هو من يهاب لا من كلام الناس، بل من نظراتهم. الظل هو من يشتم ويلعن كل ما هب ودب دون سابق تفكير.
الرجل الغريب، لا يرى في المرأة، لا بالعين المجردة ولا تحت المجهر، لسبب او لآخر نشعر بانه يعرفنا أكثر ما نعرف أنفسنا، لان عينه ترصد مهما حاولنا مرار وتكرار ان نخفيه عن الناس، بل حتى عن أنفسنا.
الرجل لم يبد لنا احكاما. او يأمرنا او ينهانا، لكن مع ذلك لا نحبه، ولا نعجب بمنظوره ولا آرائه. الرجل الغريب ليس شخصا خارجيا، بل هو داخلي بالدرجة الاولى، الرجل هو نحن ونحن هو الرجل.
الرجل ما هو إلا مزيج الواعي واللاواعي الذي تشكل خلال ملايين من السنين، بخبرات متراكمة من رجل الكهف الى الانسان المعاصر. هو ذا علم من تشكيل النار، الى شطر الذرة، الرجل هو الحكمة الدفينة والمختزنة، ذات ابصار بكل ما يفرحنا ويحزننا. الرجل ذو حنين بنا، ذو رأفة ورحمة، مهما قسا كلامه، الا انه ما أراد بنا إلا كل خير.
لذلك لم تكن المعضلة فيما عرفنا ام لم نعرف من الرجل الغريب، لكن فيما تيقنا بصحة رؤيته وعملنا بها.
- يزيد الماحي
Thanks for reading فلسفات مبتدئ! Subscribe for free to receive new posts and support my work.