رحلة نحو الأسطورة الشخصية
تأملات فلسفية مستوحاة من رواية الخيميائي
المقدمة:
دائما ما كنا نسأل, ونحن صغار, حينما كان همنا الأول والأخير هوا أكل الحلوى واللعب, “ ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟”, ومن ثم نجيب بكل ثقة وحماس, طيار, رجل شرطة و رائد فضاء! , ومعتمدا على أهلية من أمامنا ومحبتهم لنا , قد يقولون بالمقابل بجانب إما “ رائع, عليك ان تجتهد لكي تصل لهذا الحلم!” وإما “هذا غير واقعي قلة من يصبحون أولئك الأشخاص, ركز على دراستك أولا ولنفكر في مجال أكثر مصداقية”. ولا شك بأن خيار آخر موجود وهي الابتسامة المزيفة, الساخرة من براءة وأحلامهم .ولذلك دائما ما كانت يراودني ذلك التساؤل , عن متى تحين اللحظة التي نفقد فيها الإيمان بأحلامنا من الطفولة؟ أهي فورية أم أنها تدريجية الأساس ؟ لكل منا حلم, أو حتى مجموعة أحلام , قاصرة كانت على وظيفة , أو أكثر شمولية , كالسلام العالمي , ولا نستطيع بقدرة قادر بأن نقلل من شأن تطلعاتنا.
هذه المقالة، استلاهما على رواية الخيمائي, للكاتب باولو كويلو , هي اجتهاد شخصي في النظر في انعكاس قصة تلك الراعي الشاب، الباحث عن الكنز, في مرآة حياتنا، حيث نستكشف أسئلة عن المعنى، عن الشجاعة لملاحقة الحلم، عن الحب الذي يقوّينا أو يقيّدنا، وعن ذلك الخط الرفيع بين القدر والاختيار.
ما هي الأسطورة الشخصية لكل إنسان؟
تبدأ القصة بالشاب , سانتياغو , الذي خرج من قرية والديه لرعي الغنم , طمعا في الحرية والسفر , عندما يحلم حلما غريبا متكررا ,يلح عليه بأن هنالك كنز له أسفل الأهرامات في مصر! وعندما استيقظ في تلك الكنيسة المهجورة التي أتخذ منها مأوى يبيت فيه, كان أمام تساؤل عظيم, أفعلا يترك خلفه غنمه وحياته المستقرة التي قضى فيها في ترحاله في المدن المختلفة في إسبانيا, لكي يبحث عن كنز شاهده في حلم؟
يتوجه بعدها إلى مدينة أخرى لكي يبيع فرو غنمه , يشتري كتاب وأمورا أخرى , ومن ثم يقابل شخصا عجوزا, يسمى “ملكيصادق” تظهر عليه الحكمة والوقار , يدعي بأنه ملك من بلاد بعيدا, ويطلب منه بيع غنمه بمقابل أن يشرح له ماهية حلمه وكيف له أن يسعى له . بعد أن تمم الصفقة الكبرى يلقي عليه شرحا مبسطا غامضا.
· “الأسطورة الشخصية هي ما كنت تتمنى أن تفعله دائمًا. الجميع يعرف في بداية شبابه ما هي أسطورته الشخصية.”
· “الناس يعرفون سبب وجودهم في سن مبكرة من حياتهم، ولعل هذا هو السبب في أنهم يتخلون عنه مبكرًا أيضًا.”’
· “الكذبة الكبرى هي أنه في مرحلة ما نفقد السيطرة على حياتنا، وتصبح محكومة بمصير لا نتحكم فيه.”
لا نجزم بأن كل ما قاله الملك وحي من الخيال، فهنالك ما يسمى بالنداء الداخلي , يحثنا بحلم يتجاوز المألوف. لكن كثر من يتجاهل الصوت, بأنها اضغاث وشي من التخيل الزائف, وللأسف مع مرور الوقت ,يخفت هذا الصوت بسبب الخوف والعادات وضغوط المجتمع. ولذلك فأن السعي بعد سماع النداء , ما هي إلا مسؤولية شخصية, فلا أحد يسمعه ولا أحد يستطيع أن يحقق أسطورتك بدلا منك.
هل السعي وراء الحلم أهم من تحقيقه؟
في رحلة سانتياغو، شاهدنا كثرة من التحولات , ففي البداية عمل في محل البلوريات تحت إشراف التاجر الكبير في السن , واكتسب مهارات التجارة والصبر , بل أيضا حيث اكتشف فلسفة التاجر. حيث كانت أشار إلى أن الحلم بالحلم أفضل له من تحقيقه. كان حلم التاجر السفر إلى مكة لإقامة نسيكة الحج, ومع أنه قد جمع المبلغ اللازم للسفر , بل حتى أكثر منه بمراحل , إلا انه فضل المكوث في متجره. كان خوفه , هوا أنه اذا أتم حجه, فلن يتبقى له شي يسعى إليه بعدها , و حينئذ ستفقد الحياة طعمها.
وفي انضمامه لقافلة الصحراء التي أرادت ان تقطع البر لكي تصل إلى الأهرامات، تعلم فيها عن الصبر والمخاطرة. قابل في رحلته الخميائي وتعلم منه ما لزم لإكمال الرحلة, وما أن أقترب من الأهرامات, زوده الخميائي بصفائح من الذهب لكي تعينه و كنوع من الاحتياط. عندما وصل سانتياغو إلى المكان الذي رأى فه الكنز في حلمه , وبدأ أن يحفر, ضربوه قطاع الطرق, سرقوا ذهبه, وقبل ذهابهم سألوه عن سبب وجوده تحت الأهرامات , فقال لهم عن حلم الكنز, فما لبث إلا وأن سخروا منه على إتباع أضغاث الأحلام , بل حتى قال قائدهم بأنه رأى حلما أن له كنزا مدفون في كنيسة مجهورة في وادي في إسبانيا , وأشار أنه ليس بالغبي الذي يترك كل شي من أجل حلم. تلهف سانتياغو في الرجوع إلى موطنه, وفعلا حصل على الكنز المدفون في الكنيسة, وبذلك تحققت رؤية حلمه.
عوضا عن إيجاد الكنز أم لا, تظهر القصة بأن لعل القيمة الحقيقة, لم تكن في الكنز بحد ذاته, بل في الدروس و الحكم اللي تعلمناها في الطريق إلى الكنز الذي نبحث عنه. فهي الرحلة لا الكنز, التي تنمي فينا القيم الداخلية مثل الشجاعة, الصبر والصدق, بل حتى الصداقات والمعلمين الذي نلتقي بهم في الطريق. بل قد تكون المفارقة الكبرى, أن الكنز قد كان معنا من البداية, وأن جوهر الإنسان السامي لا يظهر إلا بعد العقبات والتحديات في الحياة, ولا ندرك ذلك إلا بعد أن نكمل الطريق.
قد نربط هذه الدروس بطريقة مغايرة، بفلسفة الصيرورة لنيتشه، يحث يرفض فيها فكرة وجود حقيقة ثابتة في العالم, وأن الوجود هو في جوهره حركة مستمرة وتغير دائم. أضاف إلى ذلك ما يسمى “بإرادة القوى”, وهي القوة الدافعة التي تحرك جميع الكائنات تجاه السعي المستمر والنمو.
هل الحب يقف في طريق المجد؟
اضطررت قافلة الصحراء، في رحلتها الطويلة أن تقف في واحة بسبب الحرب القائمة بين القبائل. كان سانتياغو مترددا في المكوث، لرغبته في إكمال رحلته تجاه الأهرامات وتحقيق أسطورته الشخصية. مع الوقت أنخرط مع سكان الواحة الخضراء، وكانت حياتهم بسيطة بين النخيل والخير الكثير. وفي يوم من الأيام , أثناء أخد الماء من بئر الواحة، ألتقى سانتياغو بفتاة تدعى فاطمة , ووقع في حبها من أول لحظة , بل حتى قال لها بلهفة, انتي الكنز الذي سعيت من أجله طوال هذه الرحلة تجاه أسطورتي الشخصية.
أثناء مكوثه في الواحة , قابل الشاب الإسباني , الخميائي, من عرف بقدراته الخارقة , مثل التنبؤ بالمستقبل و المعرفة بتحويل النحاس إلى ذهب. عندما قال له سانتياغو عن تردده في ترك السعي في رحلته والمكوث في الواحة للزواج من فاطمة , قال له الخميائي أن الحب الصادق لا يقف عائقًا أمام الأسطورة، بل يعززها. وبعد التشاور مع فاطمة قالت له “أنا جزء من أسطورتك، ولست عائقًا لها.”
فلعل من الدروس المستفادة , أن الحب قد يصبح قوة دافعة, لا تبعدك عن ذاتك بل تقربك منها . وأن الحب الزائف هو من يخير الانسان ما بين القرب من المحبوب والسعي تجاه الحلم, ففي هذه اللحظة يصبح الحب قيدا لأنه أصابه الخوف من الفقد. والشريك الحقيقي, يصبح جزاء من الرحلة , داعما لا عائقا لها.
كمداخلة فلسفية, كتب أفلاطون (المأدبة): الحب الحقيقي يقودنا إلى “المُثل العليا”. والمقصود هنا, السعي تجاه الحكمة وتقدير الجمال. فالحب في نظره هوا سعي للخير الكلي للروح, عوضا عن المتعة الجسدية. وجسد الحب بسلم :
حب الجسد الجميل: المرحلة الأولى، حيث يثار الحب أولا بالجمال الجسدي.
حب جميع الأجساد الجميلة: الاعتراف بأن جميع الأجساد الجميلة تشترك في صفة جميلة مشتركة.
حب الأرواح الجميلة: إدراك أن الجمال الأخلاقي والروحي أسمى من الجمال الجسدي. هذا النوع من الحب تعليمي، حيث يساعد العاشق الأكبر والأكثر حكمة الشخص الأصغر على تطوير شخصية فاضلة.
حب القوانين والمؤسسات الجميلة: فهم الظروف التي تعزز الجمال الأخلاقي والمجتمع الجيد.
حب المعرفة والفلسفة: توجيه الانتباه إلى جميع أشكال المعرفة والفهم الفلسفي.
حب الجمال نفسه (شكل الجمال): المرحلة النهائية، تأمل مباشر في جوهر الجمال الأبدي والكامل. فهم هذا الشكل هو ما يلهم الفضيلة الحقيقية في الإنسان.
العلاقة بين القدر والاختيار الشخصي
عرض على سانتياغو في رحلته العديد من الإشارات، كونية كانت ام لا, تحثه في بداية رحلته لاتباع أسطورته الشخصية, ومن توجهه لاتخاذ القرارات في رحلته , ولكن لابد أن ننوه بأن القرار الأول والأخير للاستماع إليها و أخذ الفعل المناسب كان بيده هوا. سواء أكانت مقابلة الملك ام قارئة الكف, النسرين في السماء أو تحركات الرمال, دائما ما كانت تقع على مسؤوليته .
وفي هنا دروس عدة:
التكامل: القدر يرسم الخطوط الكبرى، والإنسان يختار كيف يخطو داخلها.
الحرية: عدم الاختيار هو أيضًا اختيار.
الشجاعة: اتباع الإشارات يتطلب إيمانًا يتجاوز المنطق أحيانًا.
أشار السابقون من الرواقية، على أهمية الإيمان بأنه هناك قدر, وأن الفضيلة الحقيقة هي في كيفية الاستجابة له . وأما الفيلسوف الوجودي، سارتر, فقال “الإنسان محكوم بالحربة”, فلنا كامل الأهلية في الاختيار وكل حظة هي قرار. وتأتي مع هذه الحرية، لا شك كامل المسؤولية بتبعات قراراتنا, ولا يصح لشخص بأن يستند بأن القدر هوا من دفعه لعمل ذلك. طبيعة كلمة “ محكوم”, كانت تستند في رأيه, لنقطة كون أن الإنسان لم يختر الوجود بشكل واعي، وأنه مع ذلك وجد مع كامل المسؤولية تجاه أفعاله.
هذه الحرية الجذرية والمسؤولية الثقيلة تؤدي إلى مشاعر وجودية:
الألم: يأتي من الوعي الساحق بأنك مسؤول تماما عن اختياراتك.
الحزن: هو شعور الوحدة دون توجيه أخلاقي خارجي أو قوة عليا تبرر سلوك الشخص.
اليأس: ينشأ من عدم اليقين في النتائج والاضطرار للاعتماد فقط على النفس وأفعاله.
الخاتمة:
لا شك بأن لقصة سانتياغو دروس وعبر أخرى في شتى الأبعاد، مثل تجاوز عائق الخوف وأهمية الشجاعة، قيمة البساطة والرضا وما إلى ذلك.
في نهاية الرحلة أكتشف الراعي الشاب، أن الكنز كان في المكان الذي بدأ منه… لكن الحقيقة أن الرحلة غيّرته حتى صار هو نفسه الكنز. ربما هذه هي الرسالة الأعمق في الخيميائي: أن المعنى ليس شيئًا ننتظره في آخر الطريق، بل هو ما يتشكل فينا مع كل خطوة، مع كل تجربة، ومع كل اختيار.
قد نظل نحلم بالكنوز البعيدة، لكن لو أصغينا جيدًا، سنكتشف أن الحياة تهمس لنا دائمًا: الكنز الحقيقي هو أنت، حين تملك الشجاعة لتكون صادقًا مع نفسك وتسعى وراء أسطورتك الشخصية.


